المناوي
196
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وفي رواية : أنّه لما سمع النّداء نزل عن فرسه ، ودفع ثيابه لصياد ، وأخذ ثياب الصّياد ، ومرّ هائما ، فرأى على الأثر إنسانا وقع عن قنطرة ، فقال له وهو في الهواء : قف . فوقف في الهواء لا يسقط ولا يصعد حتّى وصل إليه ، فأخذ بيده ، وألقاه على القنطرة سالما ، وما ذاك إلّا لكمال صدق توبته ، وعظيم حسن نيّته ، فأعظم بها من كرامة ما أسناها ، ومرتبة ما أعلاها . ولقي الخضر عليه السّلام بالبادية ، فعلّمه الاسم الأعظم ، وقال له : لا تدع به على أحد بينك وبينه عداوة فتهلكه في الدّنيا والآخرة ، واعبد ربّك على تحقيق المشاهدة والمراقبة ، واعلم أنّه أقرب إليك من حبل الوريد . ثم دخل مكّة ، وصحب الفضيل ، وسفيان الثّوري . وكان لا يأكل إلّا من عمل يده ، كالحصاد ، وحراسة البساتين ، ومرّ به جنديّ ، وهو يحرث كرما ، فاستطعمه عنبا فأبى ، فعلاه بالسّوط ، فطأطأ رأسه ، وقال : اضرب رأسا طال ما « 1 » عصى اللّه ، فأعجز الرّجل منه . وكان يخلط الدّقيق بنحو الثّلث رمادا ، ويعجنه ، ويقول : هيهات أن يقوم أحدنا بقيراط من شكره . وكان به علّة البطن ، فقام ليلة واحدة نيّفا وسبعين مرّة ، وفي كلّ مرّة يتوضّأ ويصلّي ركعتين . وكان يلبس مرقعة زنتها ستّون رطلا . ونام ليلة عن ورده فتكدّر ، فنودي في سرّه : كن عبدا لنا تسترح ، فإن أقمناك قم ، وإن أنمناك نم ، وليس لك في الوسط شيء . قال الغزالي « 2 » رحمه اللّه : وكان ابن أدهم ، والثّوريّ رضي اللّه عنهما يطويان ثلاثا ثلاثا ، ويأكلان في الرّابع ، قال : وليس ذلك خارجا عن العادة بل هو قريب ، يمكن الوصول إليه بالمجاهدة .
--> ( 1 ) في ( أ ) ظالما . ( 2 ) إحياء علوم الدين 3 / 90 كسر الشهوتين ، باب بيان طريق الرياضة في كسر شهوة البطن .